محمد عبد الله دراز

324

دستور الأخلاق في القرآن

ولكن إذا كان من المقنع أن يجبّ الإكراه الفواحش ، كالزنا والكفر ، فإنّ أمامنا مجالا لنتساءل : لما ذا هذا التّغيير المفاجئ في الموقف ، الّذي يسلم للإكراه المادي ، أو العضوي بما رفض التّسليم به للطبيعة النّفسانية ؟ علام إذن يعتمد هذا ؟ . . وهل نحن أكثر سيطرة على حالات أنفسنا من سيطرتنا على قوانا المادية ؟ . أوليس العكس أكثر احتمالا ؟ ألا يتطلب تقويم الطّبع ، والسّيطرة على الهوى جهدا لدى الغالبية من النّاس أكبر مما يتطلب تحمل الجوع ، والألم ؟ . هذا فرض أوّل ينبغي استبعاده . وكذلك فإنّ أحدا لا يستطيع مطلقا أن يفسر عدم المسؤولية عن هذه الأعمال بسبب طبيعتها اللاإرادية ، الّتي تجعلنا نفترض فيها إكراها مطلقا ، يضع الفاعل في حالة استحالة مادية لا تمكنه من أن يختار اتجاها آخر غير الّذي يحمل عليه ، إذ لو كان الأمر كذلك لما كان للرحمة الّتي تتحدث عنها النّصوص معنى : فلا يغفر لأحد عمل لم يرتكبه هو ، وإنّما ارتكبه رجل آخر ، مستخدما جسم الأوّل على أنّه آلة ، والحقيقة أنّ الأمر على عكس ذلك تماما : فإذا لم يكن الفعل قد حدث بموافقة الفاعل ، ولا لمجرد المتعة في مخالفة القاعدة ، فإنّه بالرغم من ذلك فعل إرادي ، ومقصود . والعقبة الّتي نصادفها ، هيهات أن تخمد انتباهنا الأخلاقي ، بل هي توقظ تفكيرنا ، وتنشط إدراكنا ، وكلّ ما في الأمر أنّها حين ترينا النّتائج الشّاقة الّتي تنتظرنا على طريق الواجب تحيد بنا لنتحاشى الخطر . وإنّا لنعتقد أننا نلمس هنا التّفسير الحقيقي . فإنّ التّفرقة بين مقاومة الأهواء ، وبين المنع النّاشئ عن التّهديد بالإكراه